السلام المستدام في اليمن: من السياسة إلى بناء المؤسسات خلال مرحلة انتقالية حاسمة

السلام المستدام في اليمن: من السياسة إلى المؤسسات

يمر اليمن في لحظة سياسية متناقضة؛ إذ تسود حالة من الهدوء الهش دون أفق واضح، مع انتشار الإرهاق الاجتماعي وتراجع الثقة في قدرة السياسة على تحسين الظروف المعيشية بشكل ملموس. هذه الحالة مفهومة بعد سنوات طويلة من النزاع، لكنها تنطوي على خطر هيكلي يتمثل في القبول بسلام شكلي لا يغير واقع الناس ولا يخلق إطارًا مستدامًا للاستقرار.

إن التوقف الفعلي للعنف يمثل ضرورة إنسانية، لكنه لا يشكّل سلامًا بحد ذاته. فالسلام الذي لا يرتبط ببرنامج تنموي قابل للتنفيذ يبقى مجرد هدنة مؤقتة قد تنهار في أي وقت. وخلال العامين القادمين، يتحدد مسار الاستقرار بقدرة الأطراف على الانتقال من إدارة النزاع إلى تحسين حياة المواطنين اليومية، من خلال توفير الخدمات الأساسية، وخلق فرص عمل قصيرة المدى، وحماية آليات المساعدات من التسييس والاستغلال. ويُعد التأثير المباشر على حياة المواطنين المعيار الحقيقي لمصداقية أي عملية سياسية.

بناء المؤسسات أساس السلام المستدام

سياسيًا، لا تكفي التسويات بين النخب إذا لم تُترجم إلى مؤسسات قوية ومستدامة. وتكمن الأولوية في بناء الحد الأدنى من العقد الاجتماعي، والذي يشمل سيادة القانون، واستقلال القضاء، وحياد الخدمة العامة، وتداول السلطة، وضمان الحقوق الأساسية. هذه ليست مجرد مبادئ نظرية، بل شروط أساسية لبقاء الدولة واستمرارها. وبدونها، يبقى خفض التصعيد نتيجة توازنات مؤقتة، وليس نتيجة مؤسسات مستقرة.

اقتصاد الحرب كأحد أبرز التحديات

يمثل اقتصاد الحرب أحد أكثر العوائق تعقيدًا أمام الانتقال إلى السلام. ومع ذلك، يمكن خلال عامين تقليل تأثيره عبر تعزيز الشفافية في إدارة الموارد، وفرض رقابة فعالة على مصادر التمويل، وربط الدعم الدولي بإصلاحات ملموسة وقابلة للتحقق. كما أن فصل مؤسسات الدولة عن شبكات المصالح غير الرسمية يعد شرطًا أساسيًا لتحويل الهدوء إلى استقرار دائم.

نموذج الدولة كمدخل للحل السياسي

في هذه المرحلة، لا يجب أن يكون السؤال: “مع من نقف؟”، بل “أي نموذج للدولة نريد؟”. ويكمن المسار الأكثر فاعلية في دعم منطق الدولة والمؤسسات وسيادة القانون، مع انتقاد أي ممارسات تضعف هذه الأسس. كما ينبغي بناء شراكات إقليمية ودولية قائمة على المصالح المشتركة، بما يحفظ سيادة اليمن ويسهم في تعزيز قدراته المؤسسية وتحقيق الأمن والتنمية المتبادلة.

أبرز المخاطر في المرحلة الانتقالية

تتمثل أهم المخاطر في هذه المرحلة في:

  • تطبيع الهشاشة من خلال سلام غير مكتمل
  • إدارة دولية دون تمكين محلي حقيقي
  • استبعاد المجتمع من عملية صنع القرار

وللتغلب على هذه التحديات، لا بد من إنشاء آليات متابعة واضحة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، وإشراك الفاعلين المحليين في التنفيذ الفعلي، وليس فقط في مشاورات شكلية.

الخلاصة

إن تحقيق الاستقرار في اليمن لا يعتمد على الاتفاقيات السياسية فقط، بل على قدرة الدولة على العمل بفعالية. وخلال عامين، يُقاس النجاح بما يعود للعمل فعليًا: الخدمات، فرص العمل، والمؤسسات. فالسلام المستدام هو الذي ينعكس على حياة المواطنين، وليس مجرد بيانات سياسية أو اتفاقيات رسمية.

مشاركة المقال

مقالات مشابهة